يوم أن دخلت المسجد أول مرة


imagescax5h29z
رافقت شيخاً كبيراً في السن 

كنت طفلاً صغيراً عندما رافقت شيخاً كبيراً في السن من بلدتنا خربة قيسإلى بلدة سلفيت المجاورة لقريتنا في فلسطين في بداية الستينات من القرن الماضي مشياً على الأقدام وفي الطريق قرر الشيخ أن يزيد في ميزان حسناته فأخذ يهديني للتي هي أقوم متهماً مدرسينا بعدم القيام بدورهم الديني واصفاً إياهم بالطبيعيين نسبة إلى مادة الطبيعة وهي مادة الفيزياء في هذه الأيام وحذرني من تعلم العلوم الطبيعية لأنها ستفسد علينا ديننا وياليته يعلم أنني درست الرياضيات من بعده ولم أستمع لنصيحته تلك.

260px-Globespin
الأرض كروية

وحذّرني أيضاً من تصديق ما يقول به المدرسون بأن الأرض كروية ونفى أن تكون كذلك ولم يكتف بالكلام فقط بل أشار بيده في الفضاء الواسع وقال:أنظر أمامك يا بني فسترى الأرض منبسطة ولا تشبه البطيخة في شيء كما يقولون ثم أضاف قائلاً: ولم يكتف مدرسوكم بذلك بل انحازوا إلى من تحدوا قدرة الله عندما فكروا بالصعود إلى القمر وبقي مسترسل في كلامه هذا حتى وصلنا بلدة سلفيت عندها نادى المؤذن لصلاة الظهر فقطع الشيخ حديثه وقال لي: هيا يا ولدي نصلي في المسجد سوياً فقلت له: لكنني لم أدخل مسجداً بعد فقال: ما عليك يا ولدي بل عليك أن تفعل كما أفعل ودخلت المسجد لأول مرة بصحبة هذا الشيخ الطيب.

d8b5d988d8b1d8a9-d8acd8afd98ad8afd8a9
مسجد سلفيت الكبير 

أدهشني مدخل هذا المسجد وأخذت أتفحص وجوه الناس الموجودين فيه وضِعتُ عن شيخي إلى أن وجدت نفسي وحيداً في هذا المكان الجديد فلفت نظري وجود ثلاثة من البراميل الكبيرة المملوئة بالماء وحولها على الأرض أباريق مصنوعة من التنك وبداخل كل برميل منها وعاء صغير من التنك أيضاً ليستخدمه كل من يريد أن يملأ ابريقه لكنني لم أفهم هذا إلا متأخراً فأخذت إبريقاً منها وغطسته في أحد هذه البراميل الكبيرة لملئه بالماء كي أتوضأ منه مثل غيري.

b022b0b7-c3ab-4540-b92c-efa52013af76
براميل تملأ بالماء للوضوء

هنا وقعت الواقعة دون أدري واجتمع عليّ رتل من المتواجدين هناك يقودهم خادم المسجد وأخذوا في توبيخي وشتمي ومال بعضهم لضربي وأنا لا أعلم ماذا اقترفت يداي؟ لكن أحدهم تلفظ بكلمة نجاسة ففهمت أنني قد نجّست البرميل كله ولم يعد الماء الذي بداخله يصلح للوضوء وكان أكثر الحانقين مني هو خادم المسجد فكان لزاماً عليه أن يُخرج الماء النجس من البرميل ويملأه بماء طهور مرة أخرى فصاح في الحضور قائلاً: لماذا تأتون بهؤلاء الأولاد الصغار معكم إلى المسجد؟.

al-masad
فكرت بالهروب لكنني خفت أن يلحقونني بأبي لهب 

حدث كل هذا وأنا مبهور والعيون ترمقني وقد ساد الهرج والمرج في المسجد واختلف المتواجدون فيه في أمري فخادم المسجد وزمرته يريدون طردي من المسجد عقاباً لي على فعلتي النكراء تلك أما أنا فقد جفت الدماء في عروقي من الخوفين: خوف من الناس وخوف من الله فقد جئت متقرباً له لكنني أغضبت نسّاكه فبدل أن أكسب حسنات اكتسبت سيئات وانشغلت في انتظار نوع العقاب الذي سيختاره الله لي وموعد تنفيذه فهل هذا العقاب سيكون في المسجد نفسه أم عند مغادرته؟ وفكرت في الهروب من المسجد للتخلص من هذا الموقف لكنني خفت أن أتهم بأنني جئت للتخريب متعمداً وليس للصلاة وعندها سيلحقوني بأبي لهب وأبي جهل.

hlaliyah7
الماء الجاري لا يفسده وضع الإبريق فيه 

وبقيت أعيش حالة القلق هذه إلى أن وصل الأمر إلى شيخي فجاء مسرعاً ليستطلع الأمر فوجدني في حالة يرثى لها فقال: لماذا تركتني يا بنيّ؟ فقلت له: أنت الذي تركتني وحيداً بين هؤلاء الناس الغرباء ثم تابع كلامه لي وقال: ماذا فعلت؟ فقلت له: ملأت الإبريق كما أملأه دائماً من العين أو البئر أو النبع هكذا أنتم تملؤن الأباريق قال: الماء الجاري لا يفسده وضع الإبريق فيه لكن البرميل يا ولدي ليس نبعاً جارياً فقلت له: أنا لم أكن أعلم ما تقول به الآن فقال: خذ إبريقك وأكمل وضوءك وأنا بانتظارك ولا تخف.

542185_10150976911438345_482015961_n
إذا ركع أركع وإذا سجد أسجد 

أكملت وضوئي ورافقته إلى داخل المسجد وجلس وجلست وجاء خطيب الجمعة وكان أستاذي في المدرسة فهو الذي يدرسني مبحث التربية الاسلامية وعلى الرغم من ذلك لم أسمع من خطبته ولا كلمة بل كنت أتسائل في نفسي: هل علم أستاذي الإمام بما فعلته؟ وإذا علم ما هي ردة فعله؟ هل سيتهمني بالغباء وهو الذي يشهد بتفوقي؟ هل سيعاقبني أمام صفي أم أمام الطابور الصباحي؟ وهل سيكتفي بضربي بالعصا أريع ضربات كعادته أم سيضاعفها هذه المرة؟.

M3N4NET-110111-1
وخرجت من المسجد حافياً مسرعاً دون أن أنتظر شيخي

وعندما بدأت الصلاة أصبحت متخوفاً من أن أقوم بإحدى الأخطاء غير المقصودة وعندها لن يسامحوني هذه المرة كما سامحوني من قبل فقررت أن أقتدي بشيخي فإذا ركع أركع وإذا سجد أسجد ولم أستطع أن أقرأ ما أحفظه من القرآن الكريم فقد نسيت كل شيء وما أن انتهت الصلاة وكنت أظنها لن تنتهي حتى أسرعت إلى حذائي في الخارج وحملته بيدي وخرجت من المسجد حافياً مسرعاً دون أن أنتظر شيخي والآن وبعد هذه السنين الطويلة أقول: أليس ما تعرضتُ له في هذا المسجد يشبه الطباشير الملونة التي تنمحي لكنها تترك أثراً سيئاً في النفس؟.

ذكريات في بلدنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s