نحنا ما عـنا بنات تتوظف بشهادتها


حجزت مع مجموعة سياحية متجة من عمان إلى لبنان مع إحدى شركات السياحة الأردنية، وكان موعد انطلاق هذه الرحلة في منتصف الليل، فلم نتمكن من التعرف على بعضنا البعض في بداية الرحلة، حيث امتلأ الباص من كل فئات المجتمع، فكان منهم كبار السن ممن يحتاجون إلى المساعدة حتى عند ركوب الباص، ومنهم الشباب والصبايا، ومنهم الأطفال والرجال والنساء!.

Untitledعندما أغلق السائق الأبواب وأطفأ الأنوار، وشد الرحال إلى لبنان، انبرى أحدهم وطلب من السائق أن يشغل مسجله على أغنية سياحية، فوضع السائق شريطاً في مسجلته يحتوي على أغنية أطربت كل من هم بالباص، الصغير منهم قبل الكبير، المرأة قبل الرجل، واتحد الجميع وكونوا جوقة للمطرب “محمد اسكندر” عندما بدأ يغني ” إحنا ما عنا بنات تتوظف بشهادتها“، وما أن انتهت هذه الأغنية حتى صاح الجميع: عيدها …. عيدها!.

anefgou_653398801لم  أستمع لهذه الأغنية في المرة الأولى لأنني انشغلت بلحنها الجميل، لكن عندما سمعتها للمرة الثانية هزتني كلماتها، وفوراً حزنت على هذه الأمة ـ وليس على هذا الجيل فقط ـ عندما شاهدت ركاب الباص، وهم يطربون ويرقصون في أماكنهم على كلمات لم يفهموا معانيها، فتذكرت في الحال الشاعر الفلسطيني”إبراهيم طوقان” وهو يقول: “ما كل رقص يطرب”، وشبهت كل من هم في الباص، كمن “يرقص في عزاه”، فقد استطاع هذا المطرب وأمثاله أن يلوث ويسطح عقول هذا الجيل !.

01350813048إذا ساد فكر هذه الأغنية فأبشروا بنكسة أخرى تكون أشد ايلاماً من النكسة السابقة، لأن هذه الأغنية تهدم كل ما بنته الأجيال، وتعيد المرأة إلى عصر الحريم،!. في الحال عزيت هذا الإنحطاط في التفكير إلى فشل نظامنا التعليمي ومنتجاته، فهنيئاً لوزارات التربية والتعليم في بلادنا العربية على هذه الأجيال التي خرّجوها، فها هو محمد اسكندر وزمرته يهدمون ما بنته في ساعات!.

لم أتحمل ما سمعته من هذا المطرب، وما رأيته من هذه “العينة العشوائية” من هذا المجتمع، وبدأت أحاور نفسي مع هذا المطرب وهذا المجتمع، وعندما أصروا على موقفهم، قمت بنقل هذا الحوار الذي جرى بيني وبينهم لمن يريد أن يقرأ، عله يكون الحكم!.

3470477683_15d072e663تبدأ الأغنية بصوت منخفض خجول غير مفهوم وهو يقول لمحبوبته “كل ما قلبي عم ينبض، وبعزك بتبقي ملكة، وما بقبل تنهزي“على الرغم أن محمد اسكندر ليس ملكاً ـ ومحبوبته تعلم ذلك ـ إلا أنه يعدها أن يجعلها ملكة! كيف؟ لا أعلم ! لكن ما أعلمه جيداً أن الملكة لا يهزها إلا الملك أو ملكة مثلها، فهل ستصدقه محبوبته لا سيما أنها كما يقول متعلمة، إلا إذا كان قصده أن يجعلها ملكة نحل!.

4b086eeeecويتابع “شغلي وسهري وتعبي عشانك عندي فيهن لذة” راجعت ذاكرتي واستعنت بكتب التاريخ كلها، فلم أجد إنساناً في هذه الكون يختصر العالم كله بمحبوبته! حتى عنترة العبسي عندما أحب “عبلة” لم ينس في يوم من الأيام انتزاع حريته والدفاع عن عشيرته وقومه ووطنه، لكن السيد اسكندر عندما يقول هذا الكلام فلا أعتقد أنه يخاطب عقلاً بشرياً يفكر بل يخاطب دمية يرسم لها طريقها ويحدد لها ما يجوز وما لا يجوز في حياتها لأنه يعلم جيداً أن ما تعطيه مدارسنا وجامعاتنا من شهادات لا تصلح إلا أن تكون جواز سفر للزواج!.

248747-7p11 - Copyبعدها يعلو صوته ويتحمس من حوله لكي يزيد المستمعين حماسأ فيقول “ نحنا ما عنا بنات تتوظف بشهادتهاوهو بهذا عين نفسه ناطقاً باسم الناس كافة عندما يقول: نحنا، فمن أنتم؟ ومن أيّ كوكب أنت قادم يا هذا؟ أنسيت أن الإسلام كرّم المرأة وجعل لها كياناً مستقلاً، وفوق ذلك اعترف لها الخليفة عمر الفاروق بأنها قد أصابت عندما أخطأ هو!.

هذه الكلمة “نحنا” لا يستخدمها إلا من لا يجرأ على مجابهة الناس والواقع الذي يعيش فيه، فيتخفى بينهم ليقول ما لم يستطع قوله ـ وهو بمفرده ـ ولكن بلسان الجماعة، فالطالب في المدرسة عندما لا يفهم ما يشرحه المدرس في الفصل لا يقول: أنا لا أفهم ما تقول يا أستاذ بل يقول: نحن لا نفهم الدرس!.

056949917591لم يوضح لنا هذا المطرب موقفه من عمل المرأة، فلم نعد نعرف أنه ضد عمل المرأة بشكل عام أم هو ضد عمل المرأة المتعلمة فقط! وبهذا يكون قد اختزل جميع النساء في محبوبته المتعلمة الساذجة، ونسي أن عمل المرأة موجود قبل محبوبته وسيستمر بعدها، ونسي كذلك أن يعدل على مخرجات التعليم في بلادنا لتصبح “نحن نعلم بناتنا كي يصبحن رئيسات جمهوريات قلوب أزواجهن، وليس لبناء شخصياتهن وتربية أولادهن ومشاركة أزواجهن في بناء الأوطان.”!

ImageProxy_mvc_ - Copyوالعجيب في هذه الأغنية أنها ليست كمثيلاتها من أغنيات عصرها، فمن عادة مطربي هذا الجيل أن يوهم أحدهم محبوبته بأنها الوحيدة التي تسكن قلبه ولم يعرف نساء قبلها، حتى أنه ربما حرم على نفسه النساء بعد زواجه من محبوبته!. لكن محمد اسكندر في هذه الأغنية كان جريئاً ومجدداً فلم يقل لها في هذه الأغنية بأنها الوحيدة التي تسكن في قلبه، بل هن كثيرات ويحتجن إلى رئيسة جمهورية لتدير شؤونهن ولها الفخر والإعتزاز بأنه اختارها من بينهن لهذا المنصب الكبير!.

656a7c20ac4b14eab9fffccc96891570ويتابع الأخ مغنياً” شغلك قلبي وعاطفتي وحناني مش رح تفضي لـ أي شيء تاني بيكفي إنك رئيسة جمهورية قلبيولم يقل لنا ولها عن ما ستفعله المرأة في غيابه وهو بين المعجبين والمعجبات في الملاهي الليلية، وما هي إلا أيام وتكتشف أنها محبوسة في بيته أما هو فيتنقل من واحدة إلى أخرى وأصبح مطلوباً منها أن تعتني بشؤون محبوباته أيضاً!.

untitledويتابع ناطقاً باسم الجميع ثانية ليقول” عنّا البنت بتدلّل كلّ شي بيجي لخدمتها” فهو بهذا يعيدنا إلى عصر الحريم ثانية، فهو يريدها قابعة في خدرها، والخدم من حولها يقولون لها ” شبيك لبيك يا سيدتي نحن بين يديك”. وتجلس في بيتها مدللة مكرمة – كما يريد حضرته ‎- فيزداد أكلها، ويخف مجهودها، فيزيد وزنها، ويذهب جمالها، بعد أن يتركها قابعة في البيت، ليبحث عن غيرها بطريق مشروع أو غير مشروع بحجة أنها لم تعد تليق بسيادته بعد أن ذهب جمالها!.

imagesCAX2CD72تابع هذه المرة ولكن بعد أن لبس ثوب الناصحين لها ليقول “شيلي الفكرة من بالك أحلالك ليش بتجيبي المشاكل لحالكثم يبدل ثوبه ليصبح في ثوب المخادعين حين يوهمها بأن العمل يذهب بالجمال “تَ نفرض بقبل تشتغلي شو منعمل بجمالك” أما الجلوس في البيت والفراغ والأكل وعدم بذل الجهدوالتفكير في ما يرضيه هو الذي يأتي بالجمال!. ويتابع خداعه بشكل أقوى ويضرب على الوتر الحساس هذه المرة ويهددها بالمدير” بكرا المدير بيعشق و بيتحرّك إحساسو ” فما من صغيرة أو كبيرة في حياتنا إلا ويدخلوا الجنس فيها فهم مهووسون به، يذكّرون ويُؤنثون كل شيء في حياتهم، حتى أنهم إذا أرادوا أن يُحطموا فكرة يفتشون عن الجنس فيها ويبرزونه، ويخوفون الناس منه وعندها سيدعمهم الرأي العام لأنه مجهز سلفاً!.أ

untitledأذكر جيداً في نهاية الخمسينات من القرن الماضي عندما غزت الشيوعية بلادنا وأرادوا مكافحتها سرعان ما أدخلوا الجنس في المعركة وأشاعوا في الناس أن الشيوعي ليس عنده محرمات فقد يستبيح أخته أو خالته أو عمته، وصدق الناس كلامهم ونبذوا الشيوعية وقتها، واليوم وقد تعلمت البنت وبدأت تأخذ دورها في المجتمع عز ذلك على اسكندر ومن على شاكلته فربطوا لنا عمل البنت بإحساس الجنس عند مديرها الذي هو حتماً سيغرم بها وبالتالي لا داعي لعملها وخروجها من البيت!.

imagesCADT6BANهكذا نحن دائما نعرض أنفسنا للآخر أبطالاً فها هو يقول ” وطبيعي إني إنزل هدّ الشركة ع راسو” لقد افترض ضعف الشخصية في محبوبته واتهم المدير بأنه زير نساء ونسي الدين والقانون والعادات والتقاليد وضمن هذه الفرضيات الخاطئة نجح في إخافة السذج من النساء من العمل!. هكذا نحن نفرض مقدمات خاطئة ونبني عليها استنتاجات حتماً ستكون خاطئة ونستخلص منها نتائج مغلوطة ونعممها على الجميع!.

imagesCAPVAV31ويترك الغناء ليدخل إلى حقل التمثيل هذه المرة عندما يقول”حقوق المرأة عَ عيني و عَ راسي” ولا يخجل من نفسه ومن غيره وانضم إلى زمرة من يقولون ولا يفعلون!. ولم يكتف بكل هذه الطلبات من محبوبته بل يطلب منها أن تراعي إحساسه ” بس يا ريتك بتراعي إحساسي” فهو حساس جداً … ياحرام!. ونسي نفسه ونسي قوته الخارقة والقادرة على هدم الشركة على رأس مديرها حين يقول “وجودك حدّي بيقوّيني وهيدا شي أساسي”! .

untitledتابع “شو هالوظيفة اللّي بدّا تفرّق بيني و بينك” فهل يضمن لها إن تركت الوظيفة والشهادة أن لا يهجرها باحثاً عن أخرى في وظيفة أكبر وشهادة أعلى!. وتابع مبالغته إلى حد الكذب ” يلعن بي المصاري بحرقها كرامة عينك ” عندما يلعن بي المصاري والمصاري هي التي جعلته يكذب ويغني ويهدم قيم المجتمع، ويستمر في المبالغة حين يتعهد لها بحرق المصاري من أجل عيونها، ولا يعلم أن شهادتها ستقول لها أن صاحبك هذا مجنون!.

سـألـونـي فـلـم أجـب

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s